روايه حين يبوح الصمت كامله
الفصل الأول: لقاء لم يكن في الحسبان
كانت ليان تؤمن أن الصمت أصدق من ألف كلمة. لم تكن انطوائية، لكنها تعبت من تكرار الخيبات، فاختارت أن تضع مسافة آمنة بينها وبين العالم. كل صباح تعبر الشارع ذاته، تحمل حقيبتها الجلدية البنية، وتجلس خلف مكتبها في دار النشر الصغيرة وسط المدينة، حيث تعمل على تنسيق الروايات وتصحيحها، بينما حياتها الخاصة بلا عنوان ولا فصول.
في ذلك الصباح الشتوي، كانت السماء رمادية كقلبٍ أنهكه الانتظار. دخلت المقهى المجاور للدار، المكان الذي اعتادت أن تهرب إليه حين يضيق صدرها. طلبت قهوتها المعتادة وجلست قرب النافذة. أخرجت دفتراً قديماً، أوراقه مصفرة، كتبت على أول صفحة:
“ربما تبدأ الحكايات حين نتوقف عن الهرب.”
لم تكن تعلم أن تلك الجملة ستغير مسار أيامها.
دخل آدم المقهى متأخراً، معطفه الأسود يقطر مطراً، وعيناه تبحثان عن طاولة خالية. كان غريباً عن المكان، لكن حضوره بدا مألوفاً على نحوٍ مربك. جلس قبالتها دون أن ينتبه، فالمقهى كان مزدحماً. رفعت ليان عينيها، التقت نظراتهما للحظة قصيرة، ثم أشاحت بوجهها سريعاً. لم يكن في الأمر شيء، أو هكذا أقنعت نفسها.
أسقط آدم هاتفه سهواً، فتدحرج حتى قدم ليان. انحنت والتقطته، ناولته له بابتسامة خفيفة.
قال بصوت هادئ: “شكراً.”
أجابت: “على الرحب.”
صمتٌ قصير، لكنه لم يكن ثقيلاً. كأن شيئاً غير مرئي استقر بينهما. فتح آدم حديثاً عفوياً عن الطقس، عن ازدحام المدينة، عن القهوة التي لا تشبه أي قهوة أخرى. لم تكن ليان معتادة على الاندماج مع الغرباء، لكنها وجدت نفسها تجيب دون تردد. ضحكت، ضحك. وفي ضحكته شيء جعل قلبها يختل قليلاً.
حين همّ بالمغادرة، قال: “اسمي آدم.”
ترددت لحظة ثم قالت: “ليان.”
غادر، وبقي اسمه معلقاً في الهواء، مثل وعدٍ غير مكتمل.
الفصل الثاني: رسائل بلا عناوين
مرت أيام، عادت ليان إلى روتينها، لكنها لم تعد كما كانت. صارت تراقب باب المقهى دون قصد، تنتظر وجهاً لم تعترف لنفسها بأنها تشتاق إليه. في أحد الأيام، دخل آدم مجدداً. ابتسمت قبل أن تشعر بنفسها. جلس هذه المرة بإذن، كأن المسافة بينهما تقلصت دون اتفاق.
تحدثا طويلاً. عن الكتب، عن الخسارات الصغيرة، عن أحلام مؤجلة. أخبرها أنه مصور صحفي، كثير السفر، قليل الاستقرار. أخبرته أنها تحب القصص التي لا تنتهي نهاية سعيدة، لأنها تشبه الحقيقة أكثر.
قال لها: “أحياناً نحتاج نهاية مفتوحة لنكمل نحن.”
أجابت: “وأحياناً نخاف من أن نكمل.”
منذ ذلك اليوم، صار المقهى موعدهما غير المعلن. لم يعترفا بشيء، لكن القلوب كانت أسبق من الكلمات. كان آدم يترك لها رسائل قصيرة داخل الكتب التي يهديها لها. جملة، صورة، تاريخ. وكانت ليان تحفظها كلها، كأنها تخشى أن تفقده فجأة.
وفي مساء هادئ، كتب لها:
“إن غبتُ، لا تظني أنني رحلت. بعض الغياب سفر، وبعضه خوف.”
لم تفهم الرسالة تماماً، لكنها شعرت بانقباضٍ خفي.
الفصل الثالث: حين يقترب الوجع
اختفى آدم فجأة. أسبوع، ثم أسبوعان. لم يترك رسالة، لم يودّع. حاولت ليان إقناع نفسها بأن الأمر طبيعي، فهو كثير السفر. لكنها كانت تكذب على قلبها. عادت الوحدة أثقل من قبل، وصار الصمت عدواً.
وفي ليلة ممطرة، وجدت ظرفاً على مكتبها في دار النشر. خطه كان واضحاً. فتحت الرسالة بيدين مرتجفتين:
“ليان،
لم أكن شجاعاً بما يكفي. الماضي يلاحقني، وأنا أخشى أن أجرّك معي. أحببتك بصمت، لأنني لا أجيد غيره. إن عاد بي الطريق، سأبحث عنك. وإن لم يعد، تذكري أن بعض اللقاءات تُخلق لتوقظنا فقط.”
انهارت. بكت كما لم تبكِ من قبل. شعرت أن قلبها سُرق منها دون مقاومة.
لكن الحياة لا تتوقف عند وجع واحد.
الفصل الرابع: عودة غير متوقعة
بعد عام كامل، كانت ليان قد نشرت أول مجموعة قصصية باسمها. تعلمت أن تكتب لتنجو. في حفل توقيع صغير، وقفت توقّع كتابها والابتسامة لا تفارق وجهها، رغم الفراغ القديم.
رفعت رأسها، فرأت آدم يقف في آخر القاعة. كان أنحف، أكثر هدوءاً، لكن عينيه هما هما. اقترب ببطء، كأنه يخشى أن يختفي المشهد.
قال: “هل تأخرت؟”
أجابت بصوت ثابت: “كثيراً.”
سكتا. ثم قال: “إن كان في القلب متسع…”
قاطعته بابتسامة دافئة: “القلب يتسع، إن صدق العائد.”
الجزء الثاني من رواية: حين يبوح الصمت
الفصل الخامس: ما بعد العودة
لم يكن اللقاء سهلاً كما تخيلته ليان في لياليها الطويلة. عودة آدم لم تُرمم الشرخ فوراً، بل كشفت عمقه. كانت تنظر إليه وهو يقلب صفحات كتابها، يقرأ اسمها على الغلاف، وكأنها تراه للمرة الأولى.
قال آدم بصوت خافت:
“كبرتِ… ليس في العمر، بل في الروح.”
أغلقت ليان الكتاب ببطء، وقالت:
“الغياب يفعل ذلك. يعلّمنا كيف نكبر وحدنا.”
جلسا في ركن هادئ من القاعة بعد انتهاء الحفل. المسافة بينهما قصيرة، لكنها مشحونة بأسئلة مؤجلة. أراد آدم أن يحكي كل شيء دفعة واحدة، لكنها أوقفته بنظرة حازمة.
“ليس الآن. إن أردت البقاء… فابدأ بالصدق، لا بالشرح.”
هز رأسه موافقاً. في تلك اللحظة، أدرك أن ليان لم تعد تلك الفتاة التي تنتظر، بل امرأة تختار.
الفصل السادس: اعترافات متأخرة
التقيا بعد أيام في المقهى ذاته. المكان لم يتغير، لكنهما تغيّرا كثيراً. وضع آدم كاميرته على الطاولة، وقال وكأنه ينزع عنه درعاً قديماً:
“رحلت لأنني كنت أهرب من ذنبٍ قديم. خطيبتي السابقة توفيت في حادث أثناء مهمة صحفية كنا فيها معاً. نجوتُ أنا، وبقي السؤال يلاحقني: لماذا أنا؟”
صمتت ليان، لم تقاطعه.
“حين اقتربتُ منك، شعرت بالخوف. لم أحتمل فكرة أن أحب مجدداً، أن أخسر مجدداً.”
تنفست ليان بعمق، ثم قالت بهدوء مؤلم:
“كان عليك أن تخبرني، لا أن تتركني أفسر الغياب على مقاس وجعي.”
مدّ يده بتردد، لكنها لم تمسكها. لم تبتعد، لكنها لم تقترب أيضاً.
الفصل السابع: المسافة الآمنة
قررت ليان أن تمنحه فرصة، لكن بشروطها. لا وعود، لا اندفاع، فقط معرفة جديدة. صارا يلتقيان، يتحدثان، يضحكان أحياناً، ويتوقفان طويلاً عند الصمت.
آدم كان يحاول، يتعلم كيف يكون حاضراً لا عابراً. أما ليان، فكانت تحارب خوفاً خفياً من أن تضعف من جديد.
في إحدى الأمسيات، قال لها:
“أشعر أحياناً أنك تضعينني خلف جدار.”
ابتسمت بحزن:
“ليس جداراً… بل باباً. إن أردت الدخول، لا تطرقه بقوة، بل ابقَ.”
فهم الرسالة. الحب عند ليان لم يعد عاطفة فقط، بل طمأنينة.
الفصل الثامن: اختبار الغيرة
دخل سليم حياتها فجأة، كاتب شاب يعمل معها في دار النشر. ذكي، مهذب، واضح الاهتمام بها. لاحظ آدم نظراته، وحديثه القريب، وشعر بشيء لم يعتده: الغيرة.
سألها ذات مرة بنبرة حاول أن يجعلها عادية:
“هل سليم… مجرد زميل؟”
نظرت إليه بثبات:
“هو شخص لم يختفِ حين اقترب.”
كانت كلماتها قاسية، لكنها صادقة. أدرك آدم أن عليه أن يثبت لا أن يطالب.
الفصل التاسع: حين نختار البقاء
في ليلة هادئة، اصطحبها آدم إلى معرض صوره. صور حروب، وجوه متعبة، وأطفال يبتسمون رغم الدمار. توقفت ليان أمام صورة لامرأة تنظر للكاميرا بثبات.
قال:
“هذه الصورة التقطتها بعد عودتي. أدركت أن النجاة مسؤولية.”
نظرت إليه، رأت رجلاً يحاول أن يتصالح مع نفسه. لأول مرة، شعرت بالأمان.
قالت بهمس:
“أنا لا أعدك بشيء… لكنني سأبقى ما دمتَ صادقاً.”
ابتسم، وكأنها منحته وطناً.
الفصل العاشر: اعتراف بلا خوف
على شرفة صغيرة تطل على المدينة، قال آدم أخيراً:
“أحبك يا ليان. لا لأني بحاجة إليك، بل لأنني أختارك.”
لم تهرب هذه المرة. اقتربت، وقالت:
“وأنا أحبك… لكنني أختار نفسي معك، لا دوني.”
تعانقا. لم يكن عناق امتلاك، بل مشاركة. فهم كلاهما أن الحب لا يلغي الجراح، لكنه يجعلها محتملة.
نهاية الجزء الثاني
في الجزء الثالث: اختبار جديد للحب، قرار سفر، وخيار صعب بين الحلم والاستقرار…
الجزء الثالث والأخير من رواية: حين يبوح الصمت
الفصل الحادي عشر: خيار لا يحتمل التأجيل
لم تكن الحياة كريمة إلى الحد الذي تترك الحب ينمو بلا اختبارات. بعد أسابيع من الهدوء النادر، تلقّى آدم عرضاً للعمل مع وكالة دولية لتغطية نزاع طويل الأمد خارج البلاد. فرصة مهنية تُحلم بها أي عدسة، لكنها تعني الغياب… مجدداً.
أخبرها مساءً، بصوت حاول أن يجعله ثابتاً.
“السفر هذه المرة مختلف. قد يطول.”
لم تجبه فوراً. نظرت إلى الشارع أسفل الشرفة، إلى الأضواء المتداخلة، وكأن المدينة كلها تشبه قلبها الآن.
قالت أخيراً:
“وأنا؟”
لم يملك إجابة جاهزة. الصمت تمدد بينهما، لكنه لم يكن الصمت القديم، كان صمت قرار.
الفصل الثاني عشر: خوفان في مواجهة واحدة
في تلك الليلة، لم تنم ليان. جلست تكتب، تمزق، تعيد الكتابة. كانت تخشى أمرين متناقضين: أن تطلب منه البقاء فيختنق، أو أن تتركه يرحل فتعود امرأة تنتظر.
في المقابل، كان آدم يتقلب بين حقيبة سفر فارغة وذاكرة مثقلة. أدرك أن الهروب باسم الشغف لا يختلف كثيراً عن الهروب باسم الخوف، إن كان الثمن قلباً يحبه.
في الصباح، التقيا دون اتفاق مسبق، في المقهى الذي بدأ كل شيء.
قال آدم فجأة:
“لن أسافر.”
رفعت ليان رأسها بحدة:
“لا تقل هذا من أجلي.”
ابتسم بتعب:
“أقوله من أجلي أيضاً. تعبت من النجاة وحدي.”
الفصل الثالث عشر: القرار الصعب
لم يكن القرار سهلاً، ولا رومانسياً كما في الروايات. ناقشا المال، العمل، المستقبل. اتفقا أن الحب لا يعيش على الاندفاع وحده.
قالت ليان:
“إن بقيتَ، فابقَ لأنك تريد حياة، لا لأنك تخشى خسارتي.”
أجابها بثقة هادئة:
“وأنتِ، إن قبلتِ بي، فاقبليني رجلاً قد يتعثر، لا بطلاً.”
في تلك اللحظة، لم تشعر ليان بالضعف، بل بالقوة. القوة التي تأتي حين نختار بوعي.
الفصل الرابع عشر: بناء جديد
مرت الشهور. افتتح آدم معرضاً دائماً للتصوير الوثائقي، يدرّس، يلتقط صوراً أقرب للحياة من الموت. أما ليان، فصدر كتابها الثاني، أكثر نضجاً، أقل ألماً.
كانا يختلفان، يتصالحان، يتعلمان. لم يعد الحب عندهما حالة اندفاع، بل ممارسة يومية: حضور، احترام، وصدق.
في إحدى الأمسيات، قال لها وهو يتأملها تكتب:
“أتعلمين؟ لم أعد أخاف من الفقد كما كنت.”
ابتسمت:
“لأنك لم تعد تهرب.”
الفصل الخامس عشر: حين يبوح الصمت أخيراً
في ذكرى لقائهما الأول، عادا إلى المقهى نفسه. جلسا قرب النافذة ذاتها. أخرج آدم علبة صغيرة، بسيطة، بلا بهرجة.
قال:
“لا أعدك بحياة كاملة، لكنني أعدك ألا أختفي.”
اغرورقت عيناها، لكنها ابتسمت.
“وأنا أعدك ألا أختصر نفسي من أجل أحد… حتى أنت.”
وضعت الخاتم في يدها، لا كقيد، بل كاختيار.
خارج المقهى، كانت السماء صافية على غير العادة. داخلها، كان الصمت يبتسم أخيراً، لأنه قال كل شيء دون أن ينطق.
الخاتمة
ليست كل القصص العاطفية تنتهي بزفاف، ولا كل النهايات السعيدة صاخبة. بعض النهايات تشبه بداية هادئة، يمشي فيها شخصان جنباً إلى جنب، لا لأنهما لا يستطيعان الفراق، بل لأنهما لا يريدان.
انتهت الرواية
رواية غرامية، رواية رومانسية، قصص حب، روايات عربية، رواية للنشر على مدونة، أدب رومانسي، قصة حب طويلة

تعليقات